الثعلبي
206
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
استطعمتك فلم تطعمني ، واستسقيتك فلم تسقني ، واستكسيتك فلم تكسني ، فيقول العبد : وكيف ذلك يا سيدي ؟ يقول : مرّ بك فلان الجائع ، وفلان العاري فلم ( تعطف ) عليه من فضلك ، فلأمنعنّك اليوم من فضلي كما منعته . وقال أهل الإشارة : أمر الله تعالى بالصدقة على لفظ القرض إظهاراً لمحبّته لعباده المؤمنين ، وذلك أنه إنما يستقرض من الأحبّة ، ولذلك قال يحيى بن معاذ : عجبت ممن يبقى له مال ورب العرش يستقرضه ، وقال بعضهم : هذا ( تلطف ) من الله تعالى في المواساة والإقراض لعباده . أبو القاسم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رأيت على باب الجنة مكتوباً : والقرض بثمانية عشر ، والصدقة بعشر فقلت : يا جبرئيل ما بال القرض أعظم أجراً ؟ قال : لأن صاحب القرض لا يأتيك إلاّ محتاجاً ، وربّما وقعت الصدقة في غير أهلها ) . أبو سلمة عن أبي هريرة وابن عباس قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن أُحد وثبير وطور سيناء حسنات ) . فمعنى الآية : مَنْ هذا الذي ( من ) استفهام ومحلّه رفع بالابتداء و ( الذي ) خبره ( يقرض الله ) ينفق في طاعة الله ، وأصل القرض القطع ، ومنه قرض الفأر الثوب وسُمّي الشعر قريضاً لأنّه يقطعه من كلامه ، والدَّين قرضاً لأنّه يقطعه من ماله . " * ( قرضاً حسناً ) * ) قال علي بن الحسين الواقدي يعني محتسباً ، طيّبة به نفسه . ابن المبارك : هو أن يكون المال من الحلال . عمر بن عثمان الصدفي : هو أن لا يمنّ به ولا يؤذي . سهل بن عبد الله : هو أن لا يعتقد بقرضه عوضاً " * ( فيضاعفه ) * ) يزيده " * ( له ) * ) واختلف القرّاء فيه ، فقرأ عاصم وابن أبي إسحاق وأبو حاتم " * ( فيضاعفه ) * ) نصباً بالألف ، وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد والنصب وبالألف ، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر بالتشديد والرفع ، وقرأ الآخرون بالألف والتخفيف ورفع الفاء ، فمن رفع جعله نسقاً على قوله " * ( يقرض ) * ) ، وقيل : فهو يضاعفه ، ومَنْ نصبه جعله جواباً للاستفهام بالفاء ، وقيل : بإضمار أنْ والتشديد والتخفيف لغتان ، ودليل التشديد قوله " * ( أضعافاً كثيرة ) * ) لأنّ التشديد للتكثير . قال الحسن والسدي : هذا التضعيف لا يعلمه إلاّ الله مثل قوله " * ( ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ) * ) وقال أبو هريرة : هذا في نفقة الجهاد ، قال : وكنّا نحسب ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره ألفي ألف . " * ( والله يقبض ) * ) يعني يمسك الرزق عمّن يشاء ويقتر ويضيق عليه ، دليله قوله " * ( ويقبضون